واصف جوهرية

137

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الشارع المؤدي من باب عمارة المسكوبية إلى المدينة بصفة والدي كان المسؤول عن منتزه بلدية القدس الواقع مقابل الباب الشرقي تماما من عمارة المسكوبية كنا أنا وإخواني نتردد على المنتزه يوميا بعد ما ننصرف من المدرسة ونبقى هناك عند والدي إلى المساء ولذلك لي ذكريات بديعة في الشارع الواقع من شمال المنتزه والملاصق لسور المنتزه ، هذا الطريق لم يزل في مخيلتي ولن أنساه ، أتصوره تصورا حقيقيا وكأنه أمامي الآن وكيف كان يعج بالمسكوب وإزدحام الأقدام هناك خصوصا مدة الشهرين الذي يقع فيها عيد الفصح المجيد بالقدس وها أنا أقدم لمحة وجيزة عن هذا الشارع والذي أصبح من الشوارع الميتة بعد ثورة روسيا . كانت جميع المخازن من الطابق الأرضي لعمارة اللورد " بيوك " المقامة من الجهة اليسرى على الطريق المؤدية إلى المدينة من الباب الشرقي للمسكوبية ، تبيع جميع الأصناف الغذائية المحببة لدى الروس من خبز وجبن وقطين وزبيب وجميع أنواع الخمور ولا ينقطع البيع في هذه الدكاكين نهارا وليلا . وإني ألفت نظر القاري بأن هذه العمارة عندما أنشأت من قبل اللورد بيوك الإنكليزي حصل على شروط رسمية ما بينه وبين دائرة بلدية القدس بأن تبقي الفسحة من جهتها الجنوبية بدون بناء البتة وتستعمل منتزها لبلدية القدس خوفا من إقامة بناء فيها يحجب النور والهواء عن ملكة وهكذا تم ذلك وعملت المنشية المعروفة ليومنا هذا وإن عمارة اللورد بيوك بيعت في وقتنا هذا إلى الثري قسطندي سلامة من أبناء طائفة الروم الأرثوذكس العرب . كذلك جميع المخازن المقامة في الطابق الأرضي إلى العمارات بجانب عمارة لورد بيوك ملك كوكيا ثم أملاك سليم ميو كانت تبيع أيضا كل لوازم المسكوب . أما من الجهة اليمنى مقابل عمارة لورد بيوك دخلت سور المنتزه الحديدي كانت بسطات وفيها البائعين يحافظ كل واحد منه على حقوقه بالسنتمتر متر على بسطته وعليها ما هب ودب من اللوازم فكان أولا الصراف سليم السلفيتي ثم بائع الخبز الروسي ( وهذا الخبز كان يخبز في أفران المسكوب داخل عمارة المسكوبية ] ومنه نوع حامض ومالح كنا نشتري منه ونأكله بلذة ، واسمه صليبا بالروسي وهذا الخبز أقول بدون مبالغة أن سمك الرغيف كان ربما أعلى من 40 سنتمتر متر والمهم أنه متقن الصنع وناشف من الداخل بصورة لا نعلم كيف كانوا يستطيعون بأن يخبزوه . ثم أتلال من بيض عيد الفصح المجيد ولونه أحمر ملومة على قارعة الطريق وبجانبه صموارات الشاي تباع إلى من شاء من المسكوب ليلا ونهارا فكانوا واللّه يشهد يخيل لك بأن قطيعا من الغنم الأسود يسير في هذا الشارع ذهابا وإيابا هذا يشتري وذاك يسكر وآخر يصلي ويصلب مناظر جميلة تدخل للمشاهد الروعة والسرور والابتهاج فكانت الأهالي تربح الأرباح الطائلة من هؤلاء الأغنام . . كذلك أولا الزغلول كانوا يصنعون ويبيعون العصي من حب السرو ورأسها من خشب الزيتون يمثل رأس الجمل وعليها الصلبان . . وكل حاج وحاجة كان يتكأ على عصا من هذا النوع .